الثلاثاء، 20 أكتوبر 2015

شهر الله المحرم فضله وفضل الصيام فيه ورد شُبه من يشكك في مشروعية صيام عاشوراء


الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد
فقد أظلنا شهر عظيم، وموسم مبارك، وهو من الأشهر الحُرم التي حرمها الله تعالى في كتابه العزيز فقال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة : 36].
وبيّنها النبي ﷺ بقوله: (السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالـمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) متفق عليه.
قال ابن عباس: ثم خصَّ من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حُرُمًا، وعظّم حُرُماتهن، وجعل الذنبَ فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم([1]).
وسُميت بهذا الاسم، لعظم حرمتها وحرمة الذنب فيها، وتحريم القتال فيها. وقد كانت الجاهلية تعظمهن، وتحرِّمهن، وتحرِّم القتال فيهن، حتى لو لقي الرجل منهم فيهن قاتل أبيه لم يزعجه وَلم ينفره.
قال قتادة: فإن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئةً ووِزْرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظِّم من أمره ما شاء ... فعظِّموا ما عظم الله، فإنما تعظم الأمور بما عظَّمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل([2]).

مشروعية صيام شهر محرم:
بيّن النبي ﷺ مشروعية الصيام في هذا الشهر العظيم؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم) رواه مسلم.
وجاء التأكيد على فضل صيام عاشوراء وهو اليوم العاشر منه لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: (مَا هَذَا؟)، قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: (فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ)، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. رواه البخاري.
 وفي لفظ مسلم: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ: إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ: (فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، إِنْ شَاءَ اللّهُ، صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ). قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، حَتَّىٰ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ.

أجر صيام عاشوراء:
عن أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يُكفّر السنة التي قبله) رواه مسلم.
وصيام هذا اليوم سنة مؤكدة وليس بواجبٍ؛ لحديث عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ: (إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه) رواه مسلم.
ويُستحب مخالفة اليهود والنصارى بأن يُصام معه يوم قبله أو يوم بعده، قال ابن القيم –رحمه الله تعالى-: "مراتب صومه ثلاث، أكملها أن يصام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم"([3]).

وهنا تنبيهان:
الأول: بعض الناس يعتقد أن صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء فيه تكفير لجميع الذنوب والمعاصي، وهذا خطأ، وإنما الصحيح أنها تكفّر صغائر ذنوب العام؛ إذا اجتنبت الكبائر ([4]).
ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله في بيان هذه المسألة: " وَكَاغْتِرَارِ بَعْضِهِمْ عَلَى صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَوْ يَوْمِ عَرَفَةَ، حَتَّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ: يَوْمُ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ الْعَامِ كُلَّهَا، وَيَبْقَى صَوْمُ عَرَفَةَ زِيَادَةً فِي الْأَجْرِ، وَلَمْ يَدْرِ هَذَا الْمُغْتَرُّ، أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِنْ صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَيَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَهِيَ إِنَّمَا تُكَفِّرُ مَا بَيْنَهُمَا إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ.
فَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، لَا يَقْوَيَا عَلَى تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ، إِلَّا مَعَ انْضِمَامِ تَرْكِ الْكَبَائِرِ إِلَيْهَا، فَيَقْوَى مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ عَلَى تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ.
فَكَيْفَ يُكَفِّرُ صَوْمُ يَوْمِ تَطَوُّعٍ كُلَّ كَبِيرَةٍ عَمِلَهَا الْعَبْدُ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَيْهَا، غَيْرُ تَائِبٍ مِنْهَا؟ هَذَا مُحَالٌ "([5]).
إذن يتحقق تكفير ذنوب العام إذا لم يكن مرتكباً لكبيرة من كبائر الذنوب مصراً عليها، فإن تاب منها تاب الله عليه ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 31].
الثاني: لم يرد في فضل يوم عاشوراء غيرُ الصيام، فلم يثبت تخصيصه بأي نوع من أنواع العبادات. فلا يُشرع تخصيصه باجتماع على ذكر أو دعاء أو صلاة أو صدقة أو غيرها فإن ذلك من الإحداث في الدين.
قال ابن تيمية: "مثل ما أحدث بعض أهل الأهواء في يوم عاشوراء من التعطش والتحزن والتجمع وغير ذلك من الأمور المحدثة التي لم يشرعها الله ولا رسوله ولا أحد من السلف لا من أهل بيت رسول الله ﷺ ولا من غيرهم"، قال: "وأحدث بعض الناس فيه أشياء مستندة إلى أحاديث موضوعة لا أصل لها مثل فضل الاغتسال فيه أو التكحل أو المصافحة وهذه الأشياء ونحوها من الأمور المبتدعة كلها مكروهة. وإنما المستحب صومه"([6]).
قال ابن رجب: "أما اتخاذه مأتماً كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين رضي الله عنه، فهو من عمل من ضلَّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعاً ولم يأمر الله ولا رسوله ﷺ باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما فكيف بمن دونهم"([7]).
قال ابن القيم: "وَقَابَلَهُمْ آخَرُونَ فَاتَّخَذُوهُ يَوْمَ تَأَلُّمٍ وَحُزْنٍ وَالطَّائِفَتَانِ مُبْتَدِعَتَانِ خَارِجَتَانِ عَنِ السُّنَّةِ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَفْعَلُونَ فِيهِ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الصَّوْمِ وَيَجْتَنِبُونَ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّيْطَانُ مِنَ الْبِدَعِ"([8]).



بعض الشُّبه التي أثيرت حول صيام عاشوراء:
خرج لنا بعض المنتسبين للعلم – زوراً وبهتاناً – يقول بلهجته: "أصلاً مفيش عاشوراء!! دي أكزوبة عاشوراء!!" نافياً بذلك كون صيام عاشوراء سنة ثابتة عن النبي ﷺ وضارباً الأحاديث الثابتة فيه عرض الحائط.
فيقول هذا المسكين: 
بعد بحث اكتشفتُ أن الحديث موضوع ولا أصل له!
وأول دليل على بطلانه كما يزعم: أن النبي ﷺ يجهل أن هذا يوم عيد عند اليهود وأنه اليوم الذي نجى الله فيه موسى من كيد فرعون.
فيقول بلهجته مفصحا عن ضعف إدراكه العقلي: "يعني إزاي هو ما يعرفش"؟!

أقول: القول بالبطلان مردود عليه من وجوه:
أولاً: أن أحاديث صوم عاشوراء ورواياته ثابتة متواترة متضافرة، في الصحيحين وغيرهما من كتب المسانيد والسنن، من حديث عائشة، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر،  وأبي قتادة، وجابر بن سمرة، وأبي موسى الأشعري، وهند بن أسماء، والرُّبيع بنت معوذ ابن عفراء، وعبد الله بن الزبير، وسلمة بن الأكوع وغيرهم. وقد اتفق أهل الإسلام قاطبة على قبول هذه الأحاديث والعملِ بها.
فالأحاديث في مشروعية صيام عاشوراء متواترة لا يجوز ردها.
ثانياً: أما قضية كيف يجهل النبي ﷺ أنه يوم عيد عندهم؟ وأن ذلك دليل على بطلانه! فنقول له: وهل نبينا ﷺ يعلم الغيب؟! وهل نردّ الأحاديث المتضافرة لشبهة أنه ﷺكان يجهل سبب صيامهم؟ ألم يسمع هذا المسكين قول الله عز وجل عن رسوله ﷺ: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 188]؟ فهل عدم علم النبي ﷺ بالغيب منقصة في حقه ﷺ تدعونا لرد هذا الحديث وإبطاله؟

ثم قال في دليله الثاني: كيف يصوم النبي ﷺ متابعةً لليهود وهو خاتم الرسل؟ يعني النبي ﷺ صار تابعاً لليهود وليس متبوعاً لهم!
الجواب على ذلك:
أولاً: لم يتفطن هذا المسكين –بعد طول بحث – أن النبي ﷺ صامه لأن الله نجى فيه موسى، لا لأن اليهود كانوا يصومنه، ولهذا قال ﷺ مصرحاً: (نحن أحق بموسى منكم). فصامه ﷺ شكراً لله عز وجل لأن المسلمين هم أحق بالفرح بنجاة موسى.
ثانياً: ثبت في بعض الروايات أنه ﷺ كان يصومه في الجاهلية قبل الإسلام، فلما جاء المدينة وجد اليهود يصومونه فأمر بمخالفتهم.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وقد كان ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُؤمر فيه بشيء ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضا كما ثبت في الصحيح، فهذا من ذلك، فوافقهم أولاً وقال: (نحن أحق بموسى منكم)، ثم أحب مخالفتهم فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله ويوم بعده خلافا لهم" ([9]).
وقال ابن القيم:  في قوله ﷺ: "خَالِفُوا الْيَهُودَ وَصُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ .. .. وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَأَمَّا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَكَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ"([10]).
ثالثاً: كيف استنبط هذا المسكين أن النبي ﷺ صار تابعاً لليهود ؟! وهم الذين كذبوه وحاربوه وحاولوا قتله مراراً؟! والفهم الصحيح الذي يؤخذ من فعله عليه الصلاة السلام أنه أحق بالفرح والشكر لنجاة موسى من اليهود الذين كذبوه ولم يتبعوه، لا أنه صار تابعا لهم على صيامهم!

ثم قال في دليل بطلانه الثالث: أنه في أول الرواية النبي ﷺ صام يوم قدومه وفي آخرها أنه مات ولم يصم التاسع، يعني أنه عاش في المدينة سنة واحدة! ومعلوم أن النبي ﷺ بقي في المدينة عشر سنين، فهذا دليل على بطلانه!

الجواب على ذلك:
أولاً: لا يُفهم من هذا الحديث ما فهمه المسكين بناء على رواية واحدة أشْكَل عليه فهمها فبنى عليه الحكم بالبطلان، والواجب على الباحث المتمرس أن يفطن إلى أن النبي ﷺ - كما وضحنا في الفقرة السابقة من كلام ابن حجر - أنه ﷺ كان يُحب موافقة أهل الكتاب في أول الإسلام ويخالف المشركين، ولما أعز الله الإسلام وقويت شوكة المسلمين صار النبي ﷺ يخالف أهل الكتاب، وعليه يُحمل صيامه في أول قدومه للمدينة أنه أراد موافقة أهل الكتاب، ثم لما بقي على موته سنة واحدة أراد مخالفتهم. ولكن الصحابي راوي الحديث اختصر هذا كله في سياق حديث واحد. ويدل عليه الحديث الآخر عند مسلم في صحيحه عنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ) وليس فيه ذكر القصة.
ثانياً: قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "أَمَّا الْإِشْكَالُ .. وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ يَوْمَ قُدُومِهِ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا قَدِمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ثَانِي عَشْرَةَ، وَلَكِنَّ أَوَّلَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ بِوُقُوعِ الْقِصَّةِ فِي الْعَامِ الثَّانِي الَّذِي كَانَ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمُدِينَةَ، وَلَمْ يَكُنْ وَهُوَ بِمَكَّةَ هَذَا، إِنْ كَانَ حِسَابُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي صَوْمِهِ بِالْأَشْهُرِ الْهِلَالِيَّةِ.
وَإِنْ كَانَ بِالشَّمْسِيَّةِ زَالَ الْإِشْكَالُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيَكُونُ الْيَوْمُ الَّذِي نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى هُوَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنْ أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ، فَضَبَطَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ بِالشُّهُورِ الشَّمْسِيَّةِ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَقْدَمَ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَصَوْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ إِنَّمَا هُوَ بِحِسَابِ سَيْرِ الشّمْسِ، وَصَوْمُ الْمُسْلِمِينَ إِنَّمَا هُوَ بِالشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ، ... فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ).
فَظَهَرَ حُكْمُ هَذِهِ الْأَوْلَوِيَّةِ فِي تَعْظِيمِ هَذَا الْيَوْمِ وَفِي تَعْيِينِهِ، وَهُمْ أَخْطَئُوا تَعْيِينَهُ لِدَوَرَانِهِ فِي السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ([11]).

ثم قال في دليل بطلانه الرابع: اليهود خرجوا من المدينة في أول خمس سنوات فكيف رآهم وتابعهم على الصيام.
وختم كلامه بقوله متهكماً: "شفتوا لازم نفكر نشغّل عقلنا في كل رواية نسمعها ونعرفها، أنت بالعقل لا بالجسم إنسان، عاشوراء أكزوبة كبيرة لا دليل عليها والحديث موضوع"
أما هذه الشبهة فركيكة هزيلة تدل على هشاشة علم المسكين في معاني اللغة العربية!! وقلة إلمامه بالأحاديث النبوية، إذ كيف نقول أن النبي ﷺ أخرج اليهود من المدينة في أول خمس سنوات وهو ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي؟! ولو سلمنا جدلا أنه أخرجهم؛ فهل يلزم من إخراجهم كلهم عدم وجود أفراد منهم بين المسلمين؟ 
وإذا علمت أن صاحب هذه الشبهات الواهية ممن يطعن وينتقص بعض الصحابة، ويشتم صحيح البخاري، وينكر بعض المسلمات في العقيدة بل ويتعرض للذات الإلاهية، لينقضي العجب من تشكيكه لمثل هذه السنن الثابتة والمجمع عليها عند أهل الإسلام قاطبة.
وأقول لمثل هذا وأمثاله ما قاله الشاعر:
يا ليت شِعرِي! أيُّ عقلٍ يُوزَنُ  *** به الكتابُ والهُدى والسُّننُ
فكلُّ مؤثِرٍ على النَّقل الهوَى ***  حلَّ عليه غضبٌ فقد هوَى
فإذا ثبت الحديث وصحّ الخبر فلا مجال للعقل في رده.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

وكتبه: أبو عبد الله علي سلمان الحمادي
ليلة السابع من محرم عام 1437ه





([1]) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (14/ 323).
([2]) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (14/ 234).
([3]) زاد المعاد.
([4]) وأحسن ما حُدت به الكبائر، أن الكبيرة ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو نفي إيمان، أو ترتيب لعنة، أو غضب عليه [السعدي].
([5]) الداء والدواء.
([6]) اقتضاء الصراط المستقيم.
([7]) لطائف المعارف.
([8]) المنار المنيف.
([9]) فتح الباري 4/770 تحفة الأحوذي 3/397.
([10]) زاد المعاد.
([11]) زاد المعاد.

الاثنين، 20 يوليو 2015

#وكلاء_داعش ،،،!

#وكلاء_داعش ،،،!

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،،

لا شك أن اللقيط "داعش" تبحث لها عن مستند شرعي ، إما من كتاب الله ، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو من أقوال علماء الإسلام ، ولذا تلجأ هذه المؤسسة الإرهابية إلى تبرير أعمالها بآيات القرآن ، وأحيانا بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، وأحيانا بكلام العلماء الربانيين الذين لهم مكانة في الأمة الإسلامية كشيخ الإٍسلام ابن تيمية رحمه الله .

ونحن حين نرفض هذه المنظمة الإرهابية فإننا لا نرفض القرآن والحديث الذي تعلقت به داعش، وكذا لا نرفض الاجتهادات المصيبة لعلمائنا كابن تيمية رحمه الله.

لكن البعض يريد أن يكرس في المجتمع ما تريد داعش أن تنشره وتبثه.

فهم وكلاء داعش فيما تريده من الدعاية والإعلام في الصد عن دين الإسلام وأصوله وقواعده .

ونتيجة لأعمال وكلاء داعش الإعلاميين ظهر لنا من يرفض الإسلام دينا ، ويقول : الإسلام كله إرهاب وقتل وعنف وإجرام!!

وبعضهم يقبل الإسلام دينا ، لكنه يرفض نصوص القرآن ويردها ، ويأخذ بعضها ويترك بعضها، لأن داعش تبرر أفعالها بنصوص القرآن!!

وبعضهم يقبل الإسلام والقرآن ، لكنه يرفض أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ويشكك فيها بأنواع التشكيك، لأن داعش تبرر أعمالها بنصوص الحديث!!

وبعضهم يقبل القرآن والحديث ، ثم يرفض اجتهادات العلماء الراسخين الربانيين، بحجة أن داعش فهمت منها ما يبرر أفعالها !!!

وليس العيب في شيء مما سبق ، لا في القرآن ، ولا في السنة ، ولا في اجتهادات ابن تيمية ، ولكن العيب في فهم القرآن ، والعيب في فهم الحديث ، وكذلك العيب في فهم كلام ابن تيمية .

قال الله تعالى : (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ)
[سورة يونس 39]

وفي هذه الأيام ينشر البعض قصاصة من كتاب ابن تيمية رحمه الله مفادها أن الولد يجوز له أن يقتل والده المشرك، وأن هذا النص هو ما يحتج به داعش...

وأقول: إن داعش لم تحتج بهذا ، وليست هي بحاجة للبحث عن هذا، فجرائمها أعظم من أن يبررها أي من النصوص.

لكنكم بنشر مثل هذه القصاصات تنشرون ما تعجز داعش عن نشره ، وتستغلون المنابر الإعلامية لنشر ما تبحث داعش عن نشره ، ولو كان بطريقة مغلوطة ومفبركة أيضا.

أما كلام ابن تيمية رحمه الله فواضح وبيِّن ولا ينكره أي عقل ، فالمقصود بكلام ابن تيمية رحمه الله العدو المحارب ، فإذا كان الأب عدوا ، ومحاربا للدولة ، واعتدى على الدولة ، واشترك مع أعداء الإسلام في محاربة الدولة المسلمة .

فإن الولاء للدين والولاء للدولة والوطن يقتضي أن يقاتل الولد والده ، هذا هو مقتضى العقل ، وهذا هو مقتضى الدين، والوطنية ...

أرأيت يا من ينشر هذه القصاصة أن الوالد لو كان إرهابيا محاربا ومن تنظيم داعش ، ويريد تفجير المسلمين ، والولد لا يستطيع إيقافه عن هذا الإجرام إلا بالقتل أليس واجبا قتل هذا الداعشي المجرم، ولو كان والدك !!

إن الولاء للدين ، والولاء للوطن يقتضي قتل هذا المجرم ولو كان والدا.

بل إن ترك هذا الوالد وعدم إيقافه يعتبر خيانة لله ، وخيانة لرسوله ، ثم خيانة للوطن ورئيس الدولة .

وهذا هو معنى كلام ابن تيمية وكلام غيره من العلماء أيضا، فليس ابن تيمية هو من تفرد بهذا ، وهذا إنما يفهمه من يعرف كلام العلماء ويفهم مقاصدهم .

 أما داعش ووكلاؤها فلا يعرفون مراد العلماء ومقاصدهم ، ولذلك يحتجون بأي كلمة أوعبارة من دون فهم لمراد العلماء ومن دون فهم لمقاصد الإسلام .

والنصوص الواردة في القرآن والسنة وأقوال العلماء كثيرة في الإحسان للوالدين عموما وإن كانا مشركين ، وكلام ابن تيمية رحمه الله في هذا الباب كثير مبثوث في كتبه ورسائله.

فابن تيمية من أعظم الناس حماية للدماء وصيانة للحقوق، ومن أعظم الناس ردا على شبه داعش ووكلائها ، ولذلك تحاول داعش ووكلاؤها تشويه ابن تيمية دائما بشتى أنواع التهم ، والسِّرُّ وراء ذلك أنه رحمه الله من أعظم من أصل الأصول التي تسقط الأعمال الإجرامية والإرهابية ، ودعا إلى ما دعت إليه الشريعة من حماية الأنفس والأموال والأعراض .. رحمه الله رحمة واسعة

 هذا إذا سلم النص المطبوع من التحريف أو التصحيف ، والله أعلم .

وكتبه: أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحمادي

الأربعاء، 10 يونيو 2015

صلاة التراويح مشروعيتها وفضلها والرد على المفتري القائل ببدعيتها


الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خير خلق الله أجمعين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين،،، وبعد
فإن من أعظم العبادات التي حث عليها ديننا الحنيف ورغب فيها في شهر رمضان: قيام الليل، فقد أكد عليها رسول الله ﷺ تأكيداً بالغاً بقوله وفعله، فقالَ ﷺ: «مَنْ صامَ رمضانَ إيماناً، واحتساباً، غُفِرَ له ما تَقَدّمَ مِنْ ذنبهِ، ومَنْ قامَ ليلةَ القدرِ إيماناً واحتساباً، غُفِرَ لهُ ما تَقدّمَ مِنْ ذَنبِه» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وقال ﷺ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» متفق عليه.
وهذا الفضل الوارد وهو مغفرة الذنوب مشروط بأمرين:
- أن يكون الحامل على الصوم والقيام؛ هو الإيمان والتصديق بثواب الله تعالى.
-وأن يحتسب العمل عند الله تعالى ويخلص له فيه.
وقيام رمضان إذا فُعل جماعةً في المسجد فإنه يُسمى بصلاة التراويح. 
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: ”سُمِّيَتِ الصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ التَّرَاوِيحَ، لِأَنَّهُمْ أَوَّلَ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهَا كَانُوا يَسْتَرِيحُونَ بَيْنَ كُلِّ تَسْلِيمَتَيْنِ“ [فتح الباري: ج4 ص250].
وصلاة التراويح هي من جملة قيام الليل، لكنها اختصت وتميزت عن قيام الليل بثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن النبي ﷺ فعلها في رمضان، حيث أنه صلى في المسجد ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ، فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ ﷺ فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ: «قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ» متفق عليه.
وفعلها الصحابة رضي الله عنهم من بعده فُرادى وجماعات إلى صدرٍ من خلافة عمر رضي الله عنه، ثم جمعهم عليها خلف إمام واحد، فعن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري قال: خرجتُ مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى المَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلاَتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ:  ”إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاَءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ، لَكَانَ أَمْثَلَ“ ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاَةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ: ”نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ“. يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ. رواه البخاري.
الأمر الثاني: ثبت في فضلها أنه من صلاها مع الإمام حتى ينصرف؛ كُتب له قيام ليلة، كما في حديث أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُصَلِّ بِنَا، حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ مِنَ الشَّهْرِ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا فِي السَّادِسَةِ، وَقَامَ بِنَا فِي الخَامِسَةِ، حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ؟ فَقَالَ: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ..» رواه الترمذي.
الأمر الثالث: الاجتماع عليها فيه عون للمسلم على قيام رمضان، وتنشيط له فيداوم عليها طيلة الشهر، فإنه لو صلى كل واحد لوحده لتكاسل عنها كثير من الناس، ولحُرموا أجر قيام الليل في رمضان، والمرء ضعيف بنفسه قوي بإخوانه، والنبي ﷺ يقول في فضل الاجتماع: «عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاِثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمُ الجَمَاعَةَ» رواه أحمد والترمذي.
بعد هذا العرض لمشروعية صلاة التراويح في رمضان، خرج علينا من لم يُعرف بعلم، ولم يُعرف بحرص على اتباع السنة، فقد انتشر له مقطع مرئي قال فيه:
"ليس هناك في الإسلام ما يُسمى تراويح.. لا في زمن الرسول، ولا في زمن أبي بكر، ولا في زمن عمر نفسه"؟!
فقلتُ متعجباً!! أما مسألة التسمية وأنه لا يوجد ما يُسمى بالتراويح!! فهذا من جهله بمعاني اللغة، وجهله بما ثبت عن السلف رحمهم الله تعالى في ذلك، مما تعارفَ عليه المسلمون خلفاً عن سلف إلى يومنا هذا.
أما ثبوت هذه التسمية عن السلف، فإن ذلك موجود متضافر من كلامهم ومبثوث في كتبهم، فمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
1. جاء في كتاب الفقه الأكبر المنسوب لأبي حنيفة رحمه الله تعالى (ت: 150هـ) أنه قال: ”ذِكْرُ بعضٍ من عقائِدِ أهلِ السّنة: وَالْمسح على الْخُفَّيْنِ سنة والتراويح فِي ليَالِي شهر رَمَضَان سنة وَالصَّلَاة خلف كل بر وَفَاجِر جَائِزَة...“ [الفقه الأكبر: ص45].
2. وجاء في مصنف ابن أبي شيبة (ت:235هـ): باب ”فِي الصَّلَاةِ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ“.
3. وفي صحيح البخاري (ت:256هـ): ”كِتَابُ صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ“.
4.وفي مسائل الإمام أحمد (ت:275هـ) رواية أبي داود السجستاني: قال ”بَابُ: التَّرَاوِيحِ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ، وَقِيلَ لَهُ: أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مَعَ النَّاسِ فِي رَمَضَانَ أَوْ وَحْدَهُ؟ قَالَ: يُصَلِّي مَعَ النَّاسِ. وَسَمِعْتُهُ أَيْضًا، يَقُولُ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ وَيُوتِرَ مَعَهُ“ [ص90].
5. وفي مختصر اختلاف العلماء للإمام الطحاوي (ت:321هـ) قال: ”كره الإمام أحمد الصلاة بين التراويح“ [ج4 ص386].
6. وقال الإمام أبو عبد الله القحطاني المالكي (ت: 378هـ) في نونيته المشهورة:
إِنَّ التَّرَاوِحَ رَاحَةٌ في لَيْلِهِ          
        وَنَشَاطُ كُلِّ عُوَيْجِزٍ كَسْلاَنِ
وَاللهِ مَا جَعَلَ التَّرَاوِحَ مُنْكَرًا         
        إِلاَّ الْمَجُوسُ وَشِيعَةُ الصُّلْبَانِ

7. وثبت في كتاب اللّبَاب للمحاملي الشافعي (ت:415هـ) أنه قال: ”اعلم أن الصلاة على خمسة أنواع: فرض على الكافّة، وفرض على الكفاية، وسنة، ونافلة، ومكروهة“... قال: ”وأما السنة فعشرون نوعا:“ ثم ساقها وذكر منها: ”وقيام الليل، والتراويح“ [ص93].
8. وقال الإمام الماوردي الشافعي (ت:450هـ): ”أما الأصل في قيام شهر رمضان، وهي صلاة التراويح ما روي أن النبي ﷺ“ ثم ساق حديث أبي ذر رضي الله عنه. [ج2 ص290].

أما زعمه بأنه لا وجود لهذه الصلاة في زمن الرسول ولا في زمن أبي بكر ولا في زمن عمر، بل وقال: "لو كانت سنة أو أرادها ﷺ أن تُفرض لاستمر فيها"؟!
فهذا الكلام باطل من وجوه:
الوجه الأول: لا يُعلم عن أحدٍ من أهل العلم أنه قال بفرضيتها، بل إن النبي ﷺ ما تركها جماعة إلا خشية أن تفرض، أما كونها سنة فقد قال الإمام النووي (ت:676هـ) رحمه الله تعالى: ”صلاة التراويح سنة بإجماع العلماء“ [المجموع: ج3 ص526].
الوجه الثاني: ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم القيام بها منذ عهد النبي ﷺ، قال الإمام الماوردي: ”وَكَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ بَعْدَ ذَلِكَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَأَوَّلِ خِلَافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَجْمَعُ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُصَلِّي بِهِمُ الْعَشْرَ الْأُوَلَ، وَالْعَشْرَ الثَّانِيَ وَيَتَخَلَّى لِنَفْسِهِ فِي الْعَشْرِ الثَّالِثِ، إِلَى أَنْ قَرَّرَهَا عُمَرُ بْنُ الخطاب رضي الله عنه وَجَمَعَ النَّاسَ عَلَيْهَا“ قال: ”فصارت سنّة قَائِمَةً، ثُمَّ عَمِلَ بِهَا عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالْأَئِمَّةُ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ وَهِيَ مِنْ أَحْسَنِ سُنَّةٍ سَنَّهَا إِمَامٌ“ [الحاوي: ج2 ص290].
الوجه الثالث: على فرض التسليم بأنه لم يثبت عن الصحابة فعلها حتى جاء عمر رضي الله عنه فجمع الناس عليها؛ فإن هذا لا ينفي كونها سنّة ثابتة لأن النبي ﷺ قال عن السنن التي سنّها الخلفاء الراشدون: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، عضوا عليها بالنواجذ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضلالة في النار» رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وفي لفظ عند أحمد: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ، فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ». إذن فهي سنة ثابتة عن ثلاثة من الخلفاء الراشدين عمل بها عمر وتبعه عليها عثمان وعلي رضي الله عنهم.
والغريب أن هذا الرجل قال:
"أنا لا أتكلم إلا عن حقائق وأَجَيب الأدلة كعين الشمس؟؟!!".. قال: "وأن عمر قال للصحابي الذي معه" يقصد عبد الرحمن بن عبدٍ القاري قال له: "نِعم البدعة هذه، عمر نفسه سماها بدعة"؟! قال: "وأن عمر رضي الله عنه قال للصحابي الذي معه: انظر نعم البدعة هذه، ولكن الذي ينامون عنها أفضل منها".
وهنا أقول: هذا الرجل جاهل جهلا مركبا، فهو مع جهله؛ يجهل أنه جاهل ويظن نفسه عالماً، دليل ذلك عدة أمور:
الأمر الأول: أن عمر رضي الله عنه لم يقصد بقوله: ”نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ“ البدعة بالمعنى الشرعي المذموم، على أنه ثبت في طبقات ابن سعد بسند صحيح أن عمر رضي الله عنه قال:  ”لَئِنْ كَانَتْ هَذِهِ بِدْعَةً لَنِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هِيَ“. 
فدل على أنه رضي الله عنه لم يرد البدعة المذمومة وإلا فكيف له أن يأمر الناس بشيء ثم يصف ذلك الشيء بأنه بدعة مذمومة؟! وكيف لعثمان وعلي رضي الله عنهما أن يتابعاه على هذه البدعة إن كانت مذمومة؟!
وعليه فإن مقصود عمر رضي الله عنه هو المعنى اللغوي، أي: نِعْمَ هذا الاجتماع على الصلاة الذي ابتدأه هو ولم يكن موجودا قبله في زمن أبي بكر وإنما سنّه رسول الله ﷺ.
ثم إنه رضي الله عنه امتدحها بقوله: "نعمَ البدعةُ هذه" لما فيها من وجوه المصالح التي تقدم ذكرها، فكيف له أن يمتدح شيئاً مذموما؟!

الأمر الثاني: النبي ﷺ لما سنّها ثم تركها، لم يتركها لأنه لا يُحبُ أن يستمر عليها، أو أنه لا يجوز لأحد أن يفعلها بعده في جماعة، وإنما تركها ﷺ رأفة ورحمة بهذه الأمة مخافة أن تُفرض عليهم، ولهذا ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعُ العَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ، فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ..». 
وقد تقدم من كلام الماوردي فِعْلُ الصحابة رضي الله عنهم في زمنه ﷺ وزمن أبي بكر ولم ينكر عليهم أحد، فدل على أنها سنّة مستحبة.
قال أبو الوليد الباجي المالكي رحمه الله (ت: 474هـ) في قوله: «فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ»: ”لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِإِقْرَارِهِ لَهُمْ فِي اللَّيْلَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ عَلَيْهِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ امْتِنَاعَهُ مِنْ الْخُرُوجِ بأِنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِم،ْ فَإِذَا زَالَتْ الْعِلَّةُ بِانْقِطَاعِ الْفَرْضِ بَعْدَهُ؛ ذَهَبَ الْمَانِعُ، وَثَبَتَ جَوَازُ الِاجْتِمَاعِ لِقِيَامِ رَمَضَانَ“ [المنتقى للباجي ج1 ص205].
الأمر الثالث: قول عمر رضي الله عنه : ”وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ“. يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ.
فإنه تفضيل لوقت أدائها ولا يدل على عدم استحبابها، ففِعْلُها في آخر الليل أفضل من فِعْلِها في أوله، وهذا لا شك فيه، فإن صلاة آخر الليل أفضل لما فيها من ثناء الله عز وجل على المستغفرين بالأسحار، وأنه وقت تنزل الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا.
قال الإمام العراقي (ت: 806هـ) في طرح التثريب: ”وَاَلَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ: لَيْسَ فِيهِ تَرْجِيحُ الِانْفِرَادِ وَلَا تَرْجِيحُ فِعْلِهَا فِي الْبَيْتِ وَإِنَّمَا فِيهِ تَرْجِيحُ آخِرِ اللَّيْلِ عَلَى أَوَّلِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّاوِي بِقَوْلِهِ: يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ“ [ج3 ص96].
الأمر الرابع: مسألة: ما هو الأفضل للمسلم أن يصليها جماعة أو يصليها منفرداً في منزله؟ تكلم فيها العلماء واختلفوا في ذلك، ولكن الذي يترجح فيها، هو استحبابها جماعة وهو مذهب جمهور العلماء.
بل إن بعض العلماء قال: ”لَوْ امْتَنَعَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ عَنْ إقَامَتِهَا كَانُوا مُسِيئِينَ وَلَوْ أَقَامَهَا الْبَعْضُ فَالْمُتَخَلِّفُ عَنْ الْجَمَاعَةِ تَارِكٌ لِلْفَضِيلَةِ“ [طرح التثريب].
قال أبو داود السجستاني: ”قِيلَ لِأَحْمَدَ، وَأَنَا أَسْمَعُ: يُؤَخِّرُ الْقِيَامَ، يَعْنِي: التَّرَاوِيحَ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: لَا، سُنَّةُ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ.
وَكَانَ أَحْمَدُ يَقُومُ مَعَ النَّاسِ حَتَّى يُوتِرَ مَعَهُمْ وَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ، شَهِدْتُهُ شَهْرَ رَمَضَانَ كُلَّهُ يُوتِرُ مَعَ إِمَامِهِ“ [مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني ص:90].
أما مَن اختار من العلماء أفضلية صلاة الرجل لوحده فقد قال الإمام الطحاوي: ”وَكُلُّ مَنْ اخْتَارَ التَّفَرُّدَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى أَلَّا يَنْقَطِعَ مَعَهُ الْقِيَامُ فِي الْمَسْجِدِ فَأَمَّا الَّذِي يَنْقَطِعُ مَعَهُ الْقِيَامُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا“ أي لا ينبغي له أن ينفرد. [طرح التثريب ج3 ص96].
وبهذا يُعلم - أيها القارئ الكريم - خطورة ما وقع فيه هذا الجاهل وافترائه على مشروعية شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام الظاهرة، وقوله على الله بغير علم.
فينبغي على المسلم أن يحرص على أخذ العلم من أهله المعتبرين، وأن يحذر من أنصاف المتعلمين، الذين يحسبون أنهم يحسنون فإذا بهم يسيئون، ويفسدون من غير لا يشعرون.
أما أنصاف المتعلمين، فالأولى بهم أن يثنوا ركبهم في حلق العلم، وينهلوا من العلماء المعتبرين، فما أشكل عليهم من أحكام الشريعة الثابتة وجبَ عليهم أن يُراجعوا فيها العلماء، فإنه يُخشى عليهم أن يدخلوا في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: 119].
وليحذروا مما حذر منه ﷺ حين قال: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» متفق عليه.

فاللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً ينفعنا في الدين والدنيا والآخرة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وكتبـــــه أخوكم: علي سلمان الحمادي
في الثالث والعشرين من شهر شعبان
لعام ستة وثلاثين وأربعمئة وألف 
من الهجرة